ابن خلدون

111

تاريخ ابن خلدون

فولدت له السلطان محمدا فلما ملك لحق بها طوائف يمك ومن جاورهم من الترك واستظهرت بهم وتحكمت في الدولة فلم يملك السلطان معها أمره وكانت تولى في النواحي من جهتها كما يولى السلطان وتحكم بين الناس وتنصف من الظلامات وتقدم على الفتك والقتل وتقيم معاهد الخير والصدقة في البلاد وكان لها سبعة من الموقعين يكتبون عنها وإذا عارض توقيعها لتوقيع السلطان عمل بالمتأخر منهما وكان لقبها خداوند جهان أي صاحبة العالم وتوقيعها في الكتاب عصمة الدنيا والدين أولاغ تركمان ملك نساء العالمين وعلامتها اعتصمت بالله وحده تكتبها بقلم غليظ وتجود كتابتها أن تزور عليها واستوزرت للسلطان وزيره نظام الملك وكان مستخدما لها فلما عزل السلطان وزيره أشارت عليه بوزارة نظام الملك هذا فوزر له على كره من السلطان وتحكم في الدولة بتحكمها ثم تنكر له السلطان لأمور بلغته عنه وعزله فاستمر على وزارتها وكان شأنه في الدولة أكبر وشكاه إليه بعض الولاة بنواحي خوارزم أنه صادره فأمر بعض خواصه بقتله فمنعته تركمان من ذلك وبقي على حاله وعجز السلطان عن إنفاذ أمره فيه والله يؤيد بنصره من يشاء * ( خروج التتر وغلبهم على ما وراء النهر وفرار السلطان أمامهم من خراسان ) * ولما عاد السلطان من العراق سنة خمس عشرة كما قدمناه واستقر بنيسابور وفدت عليه رسل جنكزخان بهدية من المعدنين ونوافج المسك وحجر البشم والثياب الطائية التي تنسج من وبر الإبل البيض ويخبر أنه ملك الصين وما يليها من بلاد الترك ويسأل الموادعة والاذن للتجار من الجانبين في التردد في متاجرهم وكان في خطابه اطراء السلطان بأنه مثل أعز أولاده فاستنكف السلطان من ذلك واستدعى محمودا الخوارزمي من الرسل واصطنعه ليكون عينا له على جنكزخان واستخبره على ما قاله في كتابه من ملكه الصين واستيلائه على مدينة طوغاج فصدق ذلك ونكر عليه الخطاب بالولد وسأله عن مقدار العساكر فغشه وقللها وصرفهم السلطان بما طلبوه من الموادعة والاذن للتجار فوصل بعض التجار من بلادهم إلى انزار وبها نيال خان ابن خال السلطان في عشرين ألفا من العساكر فشره إلى أموالهم وخاطب السلطان بأنهم عيون وليسوا بتجار فأمره بالاحتياط عليهم فقتلهم خفية وأخذ أموالهم وفشا الخبر إلى جنكزخان فبعث بالنكير إلى السلطان في نقض العهد وان كان فعل نيال افتياتا فبعث إليه يتهدده على ذلك فقتل السلطان الرسل وبلغ الخبر إلى جنكزخان فسار في العساكر واعتزم السلطان أن يحصن سمرقند بالأسوار فجبى لذلك خراج سنتين وجبى ثالثة استخدم بها الفرسان وسار إلى احياء جنكزخان فكبسهم وهو غائب عنها في محاربة كشلى خان